📌 قصة سيدنا زكريا ويحيى عليهما السلام (الأمل والشهادة)
1. الشيخ الكبير والمحراب
كان سيدنا زكريا عليه السلام نبياً من أنبياء بني إسرائيل، وكان يعمل نجاراً يأكل من كسب يده. وكفل زكريا السيدة الصالحة مريم بنت عمران (أُم عيسى عليه السلام) ووضعها في محراب تتعبد فيه في بيت المقدس.
كان زكريا كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقاً وفواكه في غير موسمها (فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء)، فيسألها: يا مريم أنى لكِ هذا؟ فتقول بيقين: "هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ". هنا تحرك قلب الشيخ الكبير؛ فالله القادر على الإتيان بالفاكهة في غير أوانها، قادر على أن يرزقه ولداً على كبر سنه!
2. الدعاء الخاشع والمعجزة الإعجازية
اشتعل رأس زكريا شيباً، ووهن عظم جسده، وكانت زوجته عاقراً لا تلد أصلاً في شبابها، فكيف وهي عجوز؟ لكنه لم ييأس من رحمة الله، ودخل محرابه ونادى ربه خفية بأدب وتذلل:
"ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا"
طلب ولداً صالحاً يرث النبوة والعلم من بعده. فجاءت الاستجابة الفورية من الملائكة وهو قائم يصلي: أن الله يبشرك بغلام اسمه (يحيى)، وهو اسم مبتكر لم يسمَّ به أحد قبله. تعجب زكريا طالباً آية (علامة)، فأخبره الله أن علامته ألا يكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً (بالإشارة) مع أنه صحيح معافى، لسان يعجز عن كلام الناس وينطلق بذكر الله وتسبحه فقط!
3. سيدنا يحيى (النبي الزاهد البار)
ولد يحيى عليه السلام وجاءت شخصيته فريدة ومعجزة؛ فقد أوتيه الله الحكم والنبؤة والعلم وهو صبي صغير: "يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا". تميز يحيى بصفات عظيمة خلدها القرآن:
الزهد الشديد: كان زاهداً في الدنيا، يعيش في البراري، يأكل من أوراق الشجر، ويبكي من خشية الله حتى تركت الدموع مجاري على خديه.
الحنان والبر: كان حنوناً تقياً، وباراً بوالديه الشيوخ ولم يكن جباراً عصياً.
السلام الإلهي: سلّم الله عليه في أدق مراحل عمره: "وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا".
4. مواجهة الطغيان والشهادة
عاش زكريا ويحيى في زمن حاكم طاغية من حكام بني إسرائيل يُدعى (هيرودس). أراد هذا الملك أن يتزوج من ابنة أخيه (أو امرأة محرمة عليه في شريعتهم)، وكان يحيى عليه السلام يصدح بالحق ولا يخشى في الله لومة لائم، فأعلن صراحة وبأعلى صوته أن هذا الزواج حرام باطل.
حقدت المرأة على يحيى، واشترطت على الملك أن يكون مهرها هو "رأس يحيى بن زكريا"! وأمام ضغط شهوته وطغيانه، أرسل الملك جنوده إلى يحيى وهو يصلي في المحراب، فـذبحوه ظُلماً وغدراً، وقدموا رأسه الشريف على طست (إناء) للمرأة الباغية.
أما سيدنا زكريا عليه السلام، فقد لاحقه جنود الملك الطاغية لقتله بعد ابنه، ففر منهم ودخل في جوف شجرة انشقت له بأمر الله، لكن الشيطان أظهر طرف ثيابه للجنود، فجاءوا بـالمناشير ونشروا الشجرة ونشروا معها نبي الله زكريا فمات شهيداً صابراً محتسباً.
💡 العبرة من القصة:
الأمل لا يموت: مهما استقرت الأسباب الطبية والكونية (كبر السن، العقم)، فإن الدعاء بيقين يخرق القوانين ويأتي بالمعجزات؛ فلا تيأس من فرج الله.
ثمن كلمة الحق: الأنبياء يضربون أروع الأمثلة في التضحية؛ فقد قدم يحيى وزكريا دماءهما وحياتهما ثمناً لرفض تبديل شرع الله ومداهنة الطغاة.