فضل العبادة في زمن الفتن والملاحم
مقدمة
الحمد لله المحمود على ما قدَّره وقضاه، نستعينه استعانةَ مَن يوقن أن لا ربَّ ولا إلهَ سواه. ونسأله سبحانه أن يهدِيَنا صراطَ الَّذينَ أنعم عليهم من النبيِّين والصدِّيقين والشهداء، ونستغفره من الذنوب التي تَحُولُ بين القلوب وهداها.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً نذخرها عُدَّةً ليوم الدين، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، المصطفى المجتبى، أشرف البرية حَسَبًا وأطهرهم نَسَبًا. اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أهل العلم والعبادة، والجهاد والهجرة، ومَن تبِعهم بإحسان إلى يوم الدين.
إخبار النبي ﷺ عن وقوع "الهرج" في آخر الزمان
لقد حذرنا الصادق المصدوق ﷺ -الذي لا ينطق عن الهوى- في أحاديث مستفيضة من اقتراب الساعة وظهور الفتن والملاحم وتفشي القتل، ومن هذه البشارات النبوية التحذيرية:
اقتران الهرج بذهاب العلم: في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يتقارب الزمان، ويُقْبَضُ العِلمُ، وتظهر الفتنُ، ويُلْقَى الشُّحُّ، ويَكثُرُ الهَرْجُ»، قالوا: وما الهَرْجُ؟ قال: «القتل».
انتشار الجهل وفوضى الدماء: وعن ابن مسعود وأبي موسى رضي الله عنهما رفعه إلى النبي ﷺ: «إن بين يَدَيِ الساعةِ أيامًا، يُرفَعُ فيها العلمُ، وينزلُ فيها الجهلُ، ويَكثُرُ فيها الهَرْجُ».
القتل العشوائي بلا هدف: أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال ﷺ: «والذي نفسي بيده لا تذهبُ الدنيا، حتى يأتيَ على الناس يوم لا يدري القاتلُ فيمَ قَتَل، ولا المقتولُ فيمَ قُتِل... الهرج، القاتل والمقتول في النار».
أثر الفتنة الدائم: وفي موطأ مالك عن ابن عمر رضي الله عنهما، ذكر أن النبي ﷺ دعا بثلاث دعوات فأُعطي اثنتين ومُنع واحدة؛ دعا ألا يهلك الأمة بعدو من غيرهم وألا يهلكهم بالسنين فأعطيهما، ودعا ألا يجعل بأسهم بينهم فمُنعها، وعقب ابن عمر: "فلن يزال الهرج إلى يوم القيامة".
توجيه نبوي عند اشتداد الفتنة:
جاء في السنن في وصف اشتداد الفتن أن رسول الله ﷺ قال: «تكون فتنة: النائم فيها خير من المضطَجِع... والماشي خير من الراكب»، ولما سُئل عن العمل حين لا يأمن الرجل جليسه، قال: «اكْفُفْ نفسَك ويدك، وَادْخُلْ دارَك... وقل: ربي الله، حتى تموت على ذلك». إن ما يخبر به النبي ﷺ هو وحي معصوم يستوجب التصديق والامتثال؛ كما أقسم الله تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ}.
دلالة "الهرج" في اللغة والشرع
في لغة العرب: أورد ابن منظور في لسان العرب أن أصل "الهرج" يدور حول الكثرة، والاختلاط، والاتساع في المشي. ويُطلق على الفتن واختلاط أمور الناس في آخر الزمان.
في معنى الحديث: الهرج هو شدة القتل وكثرته، ونُقل عن أبي موسى الأشعري أن لفظ "الهرج" يعني القتل بلغة الحبشة أيضًا.
فضل العبادة زمن الفتن والهرج
بشّر النبي ﷺ بأن التمسك بالطاعة والعبادة وقت اضطراب الأحوال له أجر عظيم يُعادل أجر الهجرة النبوية؛ ففي صحيح مسلم من حديث معقل بن يسار رضي الله عنه قال ﷺ:
$$\text{«العبادة في الهَرْج كهجرة إليَّ»}$$
وقد أفاض العلماء في بيان سر هذا الفضل العظيم على النحو التالي:
1. غفلة الجمهور وانفراد العابد
بيّن الإمام النووي أن الفضل يعود إلى غفلة الناس واشتغالهم بالفتن، فلا يتفرغ للعبادة إلا أفراد قلائل. واعتبر الطحاوي أن الانشغال بالطاعة في هذا الوقت هو تشاغلٌ بما أمر الله به، وتركٌ لما نهى عنه من الدخول في الفتن المذمومة.
2. الفرار بالدين والاعتصام بالله
أشار القرطبي وابن العربي إلى أن المناسبة بين العبادة والهجرة تكمن في أن المهاجر الأول كان يفر بدينه من دار الكفر إلى دار الإسلام اعتصامًا بالنبي ﷺ؛ وكذلك العابد في زمن الفتنة يفر بدينه من مخالطة الناس والفتن اعتصامًا بعبادة ربه، فكأنه هاجر إلى الله ورسوله.
3. قوة التعلق بالله وثبات القلب
ذكر ابن الجوزي والحافظ ابن رجب أن انصراف العبد إلى الصلاة والذكر والعبادة عند اشتغال القلوب بالفتن واتباع الأهواء، يدل على قوة يقينه وعمق اشتغال قلبه بالله عز وجل. فيصبح حال العابد المتمسك بدينه في وسط مجتمع مضطرب كحال المؤمن الذي هاجر من بين أهل الجاهلية صيانةً لإيمانه.
المفهوم الشامل للعبادة المحبوبة عند الله
العبادة ليست منزوية في ركن ضيق، بل هي كما عرّفها شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب العبودية:
"اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة".
وتتوزع العبادة على مجالات واسعة في حياة المسلم:
| عبادات ظاهرة وشعائرية | معاملات وأعمال متعدية النفع | أعمال باطنة وقلبية |
• إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. • صيام رمضان وحج البيت. • تلاوة القرآن وكثرة الذكر. | • بر الوالدين وصلة الأرحام. • صدق الحديث وأداء الأمانات. • الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. • الإحسان للجار واليتيم والمملوك. | • إخلاص الدين لله وحده. • حب الله ورسوله، وخشية الله. • الصبر على الأحكام والشكر على النعم. • التوكل التام والرضا بالقضاء. |
خاتمة وتوجيه للمسلم
إن واجبنا في هذه الأيام التي تلاطمت فيها أمواج الفتن، أن نُقبل على الله جل وعلا بقلوب مطمئنة راضية بقضائه، مستيقنين أن كل ما يقدره للمؤمن هو خير له في عاقبة أمره؛ كما ثبت في الحديث: «عجبًا لأمر المؤمن، إنَّ أمره كله خير... إن أصابته سرَّاء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاء صبر، فكان خيرًا له».
فالحمد لله في البدء والختام على ما أعطى ومنع، وهو المستعان وعليه التكلان.